محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكذبنا نحن بما جاءوا به . فعجبوا كل العجب . قوله : وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً يعني بإيمانهم به ، وبما أنزل عليه . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يعني أنهم شهدوا على القرون بما سمى الله عز وجل لهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ قال : أمة محمد شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإِيمان والهدى ممن كان قبلنا قالها عبد الله بن كثير . قال : وقال عطاء : شهداء على من ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين ، جاء ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم : وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم وصدقوا به . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته ، وهم شهداء على الأَمم ، وهم أحد الأَشهاد الذي قال الله عز وجل : وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ الأَربعة الملائكة الذين يحصون أعمالنا لنا وعلينا . وقرأ قوله : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ وقال : هذا يوم القيامة قال : والنبيون شهداء على أممهم . قال : وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأَمم ، قال : والأَطوار : الأَجساد والجلود . القول في تأويل قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ يعني جل ثناؤه بقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه . والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها يعني بيت المقدس . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قال : القبلة : بيت المقدس . وإنما ترك ذكر الصرف عنها اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره . وإنما قلنا ذلك معناه لأَن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأَخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة ، حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم ، وقالوا : ما بال محمد يحولنا مرة إلى هاهنا ، ومرة إلى هاهنا ؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين ، وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت . وقال المشركون : تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه . فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين ، فلذلك قال جل ثناؤه : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي : وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها ، وتحويلك إلى غيرها ، كما قال جل ثناؤه : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ بمعنى : وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي أريناك وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة ، وكذلك القبلة الأَولى التي كانت نحو بيت المقدس لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة . ذكر الأَخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأَنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا ، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام ، فقال في ذلك قائلون من الناس : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها لقد اشتاق الرجل إلى مولده مكة قال الله عز وجل : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأَولى ؟ فأنزل الله عز وجل : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره